Tahrir News

1

«كلب بلدى مُدرَّب».. رواية لاذعة فى نقد النخبة المثقفة والدولة

216459_fmt

«إيلاج.. مؤخرة تصطدم بالدركسيون.. نفير.. إيلاج.. طرقعة لحم فى لحم.. مؤخرة تصطدم بالدركسيون.. نفير.. إيلاج».

بهذه الجملة تبدأ رواية «كلب بلدى مُدرَّب» للروائى محمد علاء الدين، وهى بموقعها ومضمونها هذا تنتمى إلى فصيلة من العتبات القوية التى أفضلها، مثل العتبة التاريخية للروائى الأشهر «فرانز كافكا»، والتى بدأ بها رائعته «المسخ»، حين قال على لسان الراوى العليم: «استيقظ جريجور سامسا ذات صباح بعد أحلام مزعجة، فوجد نفسه قد تحوَّل فى فراشه إلى حشرة هائلة الحجم».

لا أعمل على المقارنة بين علاء وكافكا، أو بين «المسخ» و«كلب بلدى مدرب»، فلا يوجد ثمة تقارب بين أى منهما، وعندما أتكلَّم فقط عن العتبة فهذه النوعية من الجمل، وفى هذا المكان تحديدا، يكون لها نفس المعنى الذى يهمس به الكاتب فى عقل القارئ بنبرات واضحة «أنا كده.. هتيجى معايا ولا تخلِّيك أنت هنا».

هذه الجرأة التى يجب أن يتحلَّى بها كل خالق فى مجاله، وإن كنت آخذ على علاء فى هذا الصدد تصديره للرواية ككل بالإيفيه الشهير فى فيلم «الكيف»: «انت جاى تعزى ولا جاى تهرج! جاى أهرج!». وكأنه يُؤمِّن لنفسه سردابا للفرار من هذا الدخول الصادم أو من هذه الرواية بشكل عام، حيث إنها تختلف تماما عن كل ما قدمه من قبل، على مستوى الرواية أو القصة.

تبدو الرواية صادمة نوعا ما، حيث ارتكازها على الراوى أحمد، الشاب الذى يكتسب قوته من كتابة الروايات الجنسية لأحد مواقع «البورنو»، وكيف يشرح هذه المهنة ويتعرض كثيرا فى حواراته مع أصدقائه من شخوص الرواية لعالم «البورنو» وبطلاته المشهورات وحياتهن وسيرتهن ونقاط تميزهن العملية، كل هذا بمنتهى الوضوح ودون مواربة، متكئا على الإحصائية الحديثة التى تعلن احتلال مصر للمركز الثالث فى الدخول لمواقع «البورنو» بعد كل من الولايات المتحدة والهند، ويُرجى عدم إغفال عدد السكان فى هذه الدول.

بعيدا عن الرواية كحدوتة شائقة، وهى كذلك، يبدو السرد كتأريخ لمرحلة أراها مفصلية فى حياة المجتمع المصرى، وهى فترة الانتقال من سطوة الدولة المركزية ومشتقاتها من معلمين وآباء وأمهات.. إلخ، على حياة الفرد الشاب المتطلع، وعلى معرفته بل وعلى خياله إلى عالم السماوات المفتوحة، وهو ما أشار إليه صراحة حين قال على لسان الراوى «كانت الأيام التى منح فيها القديم أجمل ما يملك، ربما قبل مواته التام».

جعل الكاتب شخوص الرواية يُعبرون بوضوح عن رؤاهم المجتمعية، فجعلهم متنوعين يسهلون عليه التحدث فى مجالات مختلفة، «أحمد» الكاتب الذى يكسب قوته من كتابة الروايات الجنسية القصيرة مقابل 3 دولارات فى الواحدة، «اللول» خريج معهد السينما والقارئ الجيد للأدب، «عبد الله» الابن الوحيد للتاجر الثرى والغارق فى تناول المخدرات التخليقية.. هذا المثلث أعطى للكاتب قدرة أعلى على توجيه نقد مجتمعى واسع، كما لم يغفل تقديم نقد لاذع لمن يمكن تسميتهم بالنخبة المثقفة ولتابوهات هذه النخبة، على مستوى الفن أو حتى الأيديولوجية بشكل عام.

وبطبيعة الحال لم تنجُ الدولة، كمؤسسة، من النقد والتعرية خلال الرواية الرشيقة، لكن ليس بالشكل التقليدى المكروه جدا بالنسبة إلى علاء ويصفه دائما بـ«الحنجورى». وقدَّمت الرواية هذا النقد بمنتهى القوة، وبلا أى خطابية كريهة ودون حتى جعلها محور الحكاية ولا حتى خطا فرعيا من خطوط العمل، فمثلا مشهد تعرف أحمد وعبد الله كمراهقين على مخدر البانجو، وببساطة، وفى أثناء وقوعهما تحت تأثير المخدر ينضمّ إلى شلة الكيف رائد شرطة ببدلته الرسمية، هكذا ببساطة دون مقدمات ودون تأثير على الأحداث، والأهم دون أى حكم من الراوى أو أى من الشخوص على هذا العابر.

نفس الشىء حدث خلال تقديم الراوى لشخصية على لوزة أو «روبن هود الداعرات» مثل ما أشار إليه الراوى، ووقت ما تطرق لتقديم أخيه المدمن والبلطجى «حمسة»، حيث حكى عنه حكاية صغيرة قام خلالها بسرقة حذاء رياضى لأحد أبطال الأسكواش المصريين العالميين، وكيف كان دور الدولة، متمثلة فى الشرطة، فى ترضية البطل المسروق، وما سبب هذا الاهتمام أساسا، هذا كله دون أى أحكام أو رسائل أيديولوجية سياسية.. فقط تقديم للشخصية.

يمكن المرة الوحيدة التى ظهر فيها هذا النقد للدولة شبه مقحم كان حين قام أحمد بوضع خطة قديمة ومكررة، وكان منتظرا لها النجاح، فأشار إلى كوننا نتعرض عادة لنفس الخطط مثلما هُزمنا فى 56 و67 بنفس الخطة.

أما الجملة المفتاح، إذا جاز هذا التعبير، فهى الجملة التى وضعها على لسان أحمد بشكل عابر، تعليقا على حدث عابر وغير مؤثر فى الدراما، وهى نقطة فنية قوية بشكل كبير، حين شهد معركة بين سائقَى تاكسى، وتذكر كلمات الكبابجى العجوز جد صديقه وحديثه عن الخناقات، فعلق فى النهاية بالجملة السحرية: «لم يتدخل أحد فى هذه المشاجرة، لكنها بدت لى ككل شىء فى المدينة.. شبه شىء».

بشكل شخصى تحدَّثت مع علاء فى أمور الحياة بشكل عام، وكثيرا ما اختلفنا فى السياسة أو الثقافة أو.. أو.. لكننا نتفق دائما حول هذا التعبير بخصوص حال البلد «إنه عصر الـ(كأنى)».

فى الختام أحبّ أن أشير إلى أخطاء أزعجتنى فى هذا العمل الممتع، منها عدد لا بأس به من الأخطاء فى الجمع «أخطاء مطبعية»، وتأرجح اسم الشخصية الرئيسية بين «نرمين» و«نيفين»، وإعطاء أحمد بعض صفات الراوى العليم ليسرد تفاصيل ليس من المنطقى أنه يعلم بها، وبالطبع تحسب الرواية لرصيد محمد علاء رغم توجسه البادى فى جملة التصدير ولرصيد دار «العين» التى تصدت لعمل جرىء بهذا الشكل.

إقرأ أيضا